ييُفرد هذا الباب الختامي والمفصلي لمعالجة “قضايا الساعة” التي عصفت بالأمة، وتحديداً الأحداث الدامية والاضطرابات التي شهدتها المنطقة (خاصة الأزمة السورية). تتسم الإجابات هنا بالجرأة والوضوح، وتستند إلى تأصيل شرعي دقيق يحاول انتشال المسلم من وحل الفتنة، مقدماً رؤية متماسكة تحرم الدماء وتنبذ العنف، وتفكك الشعارات البراقة التي قد تقود إلى الهلاك.
الخروج على الحاكم
يتصدى هذا القسم لأخطر المسائل التي أثيرت لتبرير العنف، وهي مسألة “الخروج على الحاكم”، مصححاً المفاهيم المغلوطة ومبيناً منهج أهل السنة والجماعة:
حرمة الخروج المسلح: يؤكد الإجماع الشرعي بحرمة الخروج المسلح على الحاكم، حتى وإن كان جائراً، ما لم يظهر “كفراً بواحاً” (صريحاً لا تأويل فيه). ويستند في ذلك إلى الأحاديث الصحيحة التي تأمر بالسمع والطاعة في غير معصية، حتى وإن “ضُرب الظهر وأُخذ المال”، وذلك درءاً لمفسدة أعظم هي الفتنة وسفك الدماء وضياع الأمن.
تفكيك شبهات الخروج: يرد النصوص بقوة على من يستدل بأقوال بعض العلماء (كالإمام الجويني) لتبرير الخروج، موضحاً أن الاجتهاد لا يصح في مقابلة النص، وأن الأحاديث النبوية الصحيحة هي الحاكمة. كما يوضح أن “الكفر البواح” الذي يبرر الخروج هو الكفر الصريح الذي يخرج من الملة (كمنع الصلاة)، وليس مجرد الظلم أو المعاصي مهما عظمت.
الوسيلة السلمية للإصلاح: البديل الشرعي للخروج المسلح هو “النصح” والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، دون تهييج العامة أو إثارة الفوضى. فالحاكم يُنصح ولا يُشهر به على المنابر إذا كان التشهير يزيد الفتنة اشتعالاً.
حرمة الدماء
حرمة الدم المسلم (والمعصوم عموماً) هي خط أحمر لا يجوز تجاوزه تحت أي مبرر سياسي أو ثوري:
تحريم القتل المتبادل: لايوجد مبرر شرعي لقتل المتظاهرين أو قتل رجال الجيش والشرطة على حد سواء. فالقاتل والمقتول في الفتنة (التي يغيب فيها الحق الصريح وتسيطر عليها العصبية) في النار.
حكم المكره على القتل: الجندي الذي يُكره على قتل بريء تحت تهديد السلاح لا يجوز له الاستجابة، لأن “الإكراه لا يبيح القتل” (فلا يجوز أن تفدي نفسك بقتل غيرك). وعليه أن يمتنع ولو أدى ذلك لقتله هو، ليكون “عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل”.
الدفاع عن النفس: يجوز للمرء الدفاع عن نفسه وماله وعرضه ضد “الصائل” (المعتدي) كائناً من كان (سواء كان عنصراً أمنياً متجاوزاً أو مجرماً)، ولكن بشرط التدرج في الدفع (الأخف فالأخف) وأن يغلب على ظنه أن دفاعه سيدفع الأذى ولا يجلب ضرراً أكبر (كالقتل المحتم).
مفهوم “الفتنة” والتعامل معها
الدور المشبوه: لايجوز الانجرار خلف دعوات مجهولة المصدر أو مدعومة من جهات خارجية (غربية أو إقليمية) تسعى لتدمير البلاد وتقسيمها، معتبراً أن الاستجابة لهذه الدعوات نوع من “الاستدراج” الإلهي للعقوبة.
تعريف الفتنة: هي الحالة التي تختلط فيها الأمور، ويغيب فيها سلطان العدل، وينفلت زمام الغرائز، ويُستحل فيها القتل والدمار بلا ضوابط. وما يجري من أحداث (خاصة ما ذُكر عن أحداث “الحولة” وغيرها) هو تطبيق عملي لمفهوم “الفوضى الخلاقة” التي تهدف لتمزيق النسيج الاجتماعي وإشعال حرب طائفية.
اعتزال الفتنة: الواجب على المسلم في أزمنة الفتنة هو “الاعتزال”، وكف اليد واللسان، واللزم بيته (وليسعك بيتك)، والانشغال بإصلاح نفسه وأهله، وعدم المشاركة في أي عمل يؤجج الصراع (مظاهرات، تحريض، قتال).
قضايا الدولة والمجتمع: بين العلمانية والإسلام
يتناول هذا الجزء العلاقة بين الدين والدولة في ظل الواقع المعاصر:
الدولة العلمانية وتطبيق الشريعة: الدولة العلمانية لا تسقط واجبات المسلم الدينية الشخصية، ولكن إقامة الحدود (كالقصاص) هي وظيفة الحاكم (ولي الأمر) وليست وظيفة الأفراد. فإذا عطلت الدولة الحدود، لا يجوز للأفراد تطبيقها بأنفسهم منعاً للفوضى.
أحكام غير المسلمين: الدعوات المتطرفة لفرض “الجزية” على المسيحيين في البلاد المعاصرة أو الاعتداء عليهم مرفوضة بشدة، مؤكداً أنهم مواطنون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وأن الجزية كانت بدلاً عن الخدمة العسكرية والحماية في نظام الدولة الإسلامية القديم، وهو ما يختلف عن واقع المواطنة الحديث.
الاستعانة بالأجنبي: يُحرم الاستنصار بالدول الأجنبية (الكافرة) للتدخل في شؤون المسلمين أو إسقاط الأنظمة، معتبراً ذلك خيانة لله ورسوله وللوطن، لأن الأجنبي لا يبحث إلا عن مصالحه وتمزيق الأمة.
ظواهر التطرف: التكفير، الرق، والإرهاب
الرق والسبايا: ما تمارسه بعض الجماعات من استرقاق للنساء في هذا العصر هو “زنا” وجريمة محرمة، لأن نظام الرق قد أُلغي دولياً باتفاقيات ملزمة للمسلمين، ولا يجوز نقض العهد. والرق الشرعي كان مرتبطاً بظروف حروب الماضي كمعاملة بالمثل، ولم يعد له وجود شرعي الآن.
التكفير واستباحة الدماء: لايجوز التوسع في تكفير المسلمين (بما في ذلك الحكام والجيوش) واستباحة دمائهم بالشبهات. فالأصل في المسلم عصمة دمه، ولا يخرج من الملة إلا بيقين كفر بواح.
تعريف الإرهاب: يميز بين “الإرهاب الإجرامي” (العدوان والظلم) وهو محرم، وبين “العقوبات الشرعية” (الحدود) التي هي حق للدولة.
المصدر: من كتاب استفتائات الناس للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله
