فتاوى فقهية معاصرة للدكتور البوطي

فتاوى فقهية معاصرة للدكتور البوطي

فقه النوازل

يخصص هذا الباب الحيوي لمعالجة “النوازل” والقضايا المستجدة التي لم تكن معهودة في العصور السابقة، خاصة تلك التي أفرزها التطور الطبي والتقني. تتسم الفتاوى هنا بالدقة في تكييف الواقع الحديث على القواعد الفقهية الأصيلة، مقدمة حلولاً عملية للمسلم الذي يعيش في عالم متغير، دون التفريط في ثوابت الدين.

الجسد البشري بين الحرمة والضرورة الطبية

يحتل الطب مساحة واسعة من هذا الباب، حيث تتشابك حرمة الجسد البشري مع ضرورات العلاج والتعليم. تقدم النصوص رؤية متوازنة تبيح المحظور بقدر الضرورة:

التبرع بالأعضاء والوصية بها: يجوز للإنسان أن يوصي بالتبرع بعضو من أعضائه (كالكلي أو قرنية العين) بعد وفاته، أو التبرع به في حياته، بشرط أن يكون ذلك “مجاناً” ودون أي مقابل مادي، وأن يكون لإنقاذ حياة مريض أو عضو مضطر. يعتبر هذا الفعل من باب الصدقة الجارية والإيثار العظيم، حيث يستمر نفع الجسد حتى بعد فناء صاحبه.

هبة الجثة للبحث العلمي والتشريح: يُسمح بالوصية بالجسد كاملاً أو أجزاء منه لكليات الطب لأغراض التشريح والتعليم، إذا توقف تطور العلم وإنقاذ الأرواح على ذلك. فالقاعدة الشرعية تنص على أن “مصلحة الحي مقدمة على مصلحة الميت”، والضرورة هنا تبيح انتهاك حرمة الميت للمصلحة العامة، بشرط دفن الرفات بعد انتهاء الغرض العلمي.

حقيقة “الموت الرحيم”: يميز الشرع بوضوح بين “إيقاف العلاج” وبين “قتل الرحمة”. فإذا وصل المريض إلى حالة “موت دماغي” وقرر الأطباء أن الأجهزة هي التي تحرك رئتيه ميكانيكياً دون أمل في عودة الحياة، جاز “رفع الأجهزة” لأنها تطيل مظاهر الحياة لا الحياة نفسها، وهذا لا يعتبر قتلاً. أما إعطاء المريض دواءً قاتلاً لإنهاء آلامه (الموت الرحيم الإيجابي) فهو قتل للنفس ومحرم قطعاً، ولا يملكه طبيب ولا قريب.

عمليات التجميل

تضع الفتاوى معياراً دقيقاً للتمييز بين الجائز والمحرم في عالم التجميل:

إزالة التشوه: العمليات التي تهدف إلى إزالة عيب طارئ (كآثار حروق أو حادث) أو عيب خلقي منفر يسبب أذى نفسياً أو جسدياً، هي عمليات “علاجية” جائزة ومشروعة، لأنها تعيد الخلقة إلى أصلها السوي ولا تعتبر تغييراً لخلق الله.

طلب الحسن والزيادة: العمليات التي تجري لمجرد زيادة الجمال أو مواكبة الموضة (كتصغير الأنف السليم أو نفخ الشفاه) محرمة، لأنها تدخل في باب “تغيير خلق الله” المنهي عنه.

زراعة الشعر والأسنان: زراعة الأسنان جائزة ولو كانت من عظم حيوان طاهر، وكذلك زراعة الشعر لمن تساقط شعره (للرجال والنساء) لأنها رد لما ذهب. أما وصل الشعر بشعر آخر (الباروكة) للتدليس فهو المحرم.

الغذاء والدواء

تتناول النصوص قضايا النجاسة والاستحالة في المنتجات الحديثة:

ذبح الحيوانات والصيد: الدجاج أو اللحم المستورد حلال إذا ذكي ذكاة شرعية. أما “الفروج المصعوق” بالكهرباء، فإن كان الصعق يزهق روحه قبل الذبح فهو ميتة حرام، وإن كان يدوخه فقط ثم يذبح وفيه حياة فهو حلال. والصيد بالبندقية حلال إذا سمى الصائد عند الرمي، فالرصاصة بحرارتها وقوتها تحل محل السكين في إسالة الدم (الذكاة الاضطرارية).

الدواء المحرم: الأصل حرمة التداوي بالخمر أو النجس، ولكن إذا اضطر المريض ولم يجد بديلاً طاهراً، وأخبره طبيب مسلم ثقة أن الشفاء في هذا الدواء النجس، جاز له التداوي به، فالضرورات تبيح المحظورات.

الكحول في العطور والطب: الكحول المستعملة في العطور والمعقمات الطبية (السبيرتو) تعتبر طاهرة عند كثير من المحققين (أو يُعفى عنها لعموم البلوى)، فلا حرج في استعمال العطور الكحولية أو تعقيم الجروح بها، والصلاة صحيحة مع وجودها.

المواطنة والتعايش: أحكام غير المسلمين

يختتم الباب بقضايا تمس النسيج الاجتماعي للدولة:

الحدود والجزية: أحكام الحدود (كالجلد والقطع) والجزية هي أحكام منوطة بـ”ولي الأمر” (الدولة) وليست للأفراد. الجزية في حقيقتها هي “بدل نقدي” عن الخدمة العسكرية وحماية الدولة لغير المسلمين، لأنهم معفون من الجهاد، وهي تشبه “الضريبة” أو “البدل” في العصر الحديث، وليست عقوبة أو إهانة.

تطبيق الشريعة: غير المسلمين لا يُلزمون بأحكام الشريعة في عباداتهم أو أحوالهم الشخصية (كالزواج والطلاق والخمر في بيوتهم)، بل يُتركون وما يدينون. أما في الفضاء العام والقوانين التي تمس النظام العام، فيسري عليهم قانون الدولة.

المصدر: من كتاب استفتائات الناس للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

WhatsApp
Copy link
URL has been copied successfully!