في عالمنا العربي المليء بالتناقضات، تبرز قصة العداء المغربي الجزائري كواحدة من أكثر القصص إيلاماً وعبثية في آنٍ واحد. هذا المقال ليس مجرد سرد تاريخي جاف، بل هو نبش في ذاكرة مثقلة بالدماء والقرارات السياسية الخاطئة التي حولت “الأشقاء” إلى “أعداء” تفصل بينهم حدود مغلقة وسدود من الجليد الدبلوماسي.
هذا المقال لا يهدف فقط لتلخيص ما ورد في الفيديو، بل يحاول الغوص في العمق، مستخرجاً العبر ومقدماً رؤية تحليلية لما يمكن وصفه بـ “الحرب الباردة المغاربية”.
شرارة القطيعة: عندما أغلقت الأبواب في وجه الأخوة
نستهل من اللحظة المفصلية التي قصمت ظهر العلاقات الثنائية: صباح 24 أغسطس 1994، وفندق “أطلس أسني” في مراكش. لم تكن الرصاصات التي أطلقها المسلحون هناك مجرد هجوم إرهابي عابر، بل كانت الرصاصة التي قتلت حلم “اتحاد المغرب العربي”.
الرد المغربي بفرض التأشيرات والرد الجزائري المزلزل بإغلاق الحدود البرية (الذي لا يزال سارياً منذ أكثر من 30 عاماً) يظهران كيف يمكن لحدث أمني أن يتحول إلى كارثة جيوسياسية مستدامة. ورغم أن هذا الحادث هو “القفل” الذي نراه اليوم، إلا أن “المفتاح” ضائع في رمال الصحراء ودهاليز التاريخ الاستعماري، عام 1994 لم يكن البداية، بل كان النقطة التي فاض فيها الكأس.
الإرث المسموم: كيف زرع الاستعمار بذور الشقاق؟
من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في هذا الطرح هو العودة إلى الجذور، وتحديداً إلى الدور الفرنسي “الخبيث” في رسم الخرائط. إنها مأساة التاريخ عندما تتحول التضحيات المشتركة إلى أسباب للنزاع. فالمغرب الذي دعم الأمير عبد القادر الجزائري ودفع ثمن ذلك باهظاً في معركة “إيسلي” وقصف طنجة، وجد نفسه لاحقاً ضحية لترسيم حدودي جائر اقتطع أراضٍ مغربية تاريخية (مثل تندوف وبشار) وضمها لـ “الجزائر الفرنسية”.
وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية والسياسية التي فجرت “حرب الرمال” عام 1963: المغرب يطالب بحقه التاريخي، والجزائر المستقلة حديثاً تتمسك بمبدأ “الحدود الموروثة عن الاستعمار” خوفاً من فتح باب جهنم من المطالبات الحدودية. هذا التناقض الجوهري بين “الحق التاريخي” و”الواقع الجيوسياسي” هو العقيدة التي لا تزال تحكم الصراع حتى اليوم.
من صراع حدودي إلى حرب أيديولوجية شاملة
ننتقل من خلافات الخرائط إلى صراع الأنظمة. إن التحول الدراماتيكي بعد انقلاب هواري بومدين عام 1965 لم يكن مجرد تغيير في القيادة، بل كان تدشيناً لحرب باردة مصغرة في شمال إفريقيا. انقسم المشهد بين “ملكية مغربية” محافظة ومحسوبة على المعسكر الغربي، وبين “ثورية جزائرية” اشتراكية مدعومة من المعسكر الشرقي وعبد الناصر.
لم يعد الصراع حول متر من الرمال، بل أصبح حول “من يقود المنطقة؟”. وهنا، تتجلى قضية الصحراء الغربية ليس كنزاع انفصالي فحسب، بل كأداة ضغط استراتيجي؛ حيث وجد النظام الجزائري في دعم جبهة البوليساريو وسيلة مثالية لاستنزاف المغرب وإشغاله في جنوبه، مما حول المنطقة إلى رقعة شطرنج دموية يدفع ثمنها الشعوب من تنميتهم ومستقبلهم.
القطيعة الحديثة: التطبيع مقابل السيادة
في قفزة نحو الحاضر، نلمس الجرح الطري المتمثل في أحداث 2020 وما تلاها. إن معادلة “الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء مقابل التطبيع المغربي مع إسرائيل” كانت بمثابة الزلزال الذي دمر ما تبقى من شعرة معاوية.
الجزائر رأت في الوجود الإسرائيلي على حدودها تهديداً وجودياً مباشراً لأمنها القومي، مما دفعها لقطع العلاقات بشكل كامل ونهائي. هذه الخطوة تظهر بوضوح أن الصراع قد تجاوز مرحلة المناوشات الدبلوماسية ليدخل مرحلة “اللعب على المكشوف”، حيث أصبحت التحالفات الدولية الكبرى (أمريكا، إسرائيل، إيران، روسيا) جزءاً من المعادلة المحلية، مما يعقد فرص الحل ويزيد من خطورة الوضع.
رأي شخصي: مأساة الأخوة الأعداء
من منظور شخصي، وبناءً على ما تم استعراضه، لا يسع المرء إلا أن يشعر بالأسى العميق. إن النظر إلى خريطة العالم يظهر تكتلات قوية (الاتحاد الأوروبي نموذجاً)، بينما نرى في منطقتنا دولتين تملكان كل مقومات التكامل (ثروات طاقية هائلة في الجزائر، وتنوع اقتصادي وفلاحي في المغرب، وقوة بشرية شابة في كليهما) تختاران التناحر بدلاً من التكامل.
إن استمرار هذا الصراع هو “انتحار اقتصادي” بطيء للطرفين. الشعوب التي تشترك في الدين، اللغة، العرق (الأمازيغي والعربي)، وحتى العادات والتقاليد، تجد نفسها رهينة حسابات جنرالات وساسة. إن شعار “خاوة خاوة” الذي يرفعه المواطنون ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو تعبير عن حقيقة تاريخية وجغرافية تحاول السياسة طمسها. الحقيقة المرة هي أن المستفيد الوحيد من هذا الصراع هو القوى الخارجية وتجار السلاح، بينما الخاسر الأكبر هو المواطن البسيط في وجدة ووهران الذي يحلم بحدود مفتوحة ومستقبل مشترك.
خاتمة: هل من أمل في الأفق؟
في الختام هذا المقال دعوة مفتوحة للتأمل. التاريخ يخبرنا أن لا عداوة تدوم للأبد (فرنسا وألمانيا خاضتا حروباً عالمية وهما الآن قاطرة الاتحاد الأوروبي). الحل يكمن في “شجاعة سياسية” تتجاوز عقدة الماضي ومكاسب الزعامة الوهمية. إن المصالحة المغربية الجزائرية ليست خياراً ترفيهياً، بل هي ضرورة حتمية لاستقرار المنطقة وازدهارها. إلى أن يحدث ذلك، سيبقى هذا الملف “الجرح النازف” الذي يذكرنا يومياً بأننا أمة واحدة تمزقها خرائط المستعمر وأهواء الساسة.
