في هذا المقال، يغوص بنا النص في عمق القضايا الشائكة التي تقف على تخوم العقيدة والتصوف، معالجاً الإشكاليات التي تثير الجدل بين المدارس الإسلامية المختلفة. يتجاوز الطرح مجرد السرد الفقهي ليقدم منهجية فكرية في التعامل مع التراث، والغيبيات، والواقع المعاصر، مرسخاً قواعد “أهل السنة والجماعة” كصمام أمان ضد الغلو والتفلت.
خوارق العادات: بين الكرامة والاستدراج
يُشكل عالم الغيب والخوارق مساحة خصبة للاضطراب عند الكثيرين. يضع الكتاب ميزاناً دقيقاً للتفريق بين “الكرامة” التي يجريها الله على يد أوليائه الصالحين، وبين “الاستدراج” الذي قد يقع لغير المسلمين أو الفساق. ليست كل خرق للعادة دليلاً على الولاية أو الحقانية؛ فالمعيار هو الاستقامة على الشرع.
وفي سياق متصل، يتم تناول قضية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، حيث يُقرر أنها ممكنة عقلاً وشرعاً لمن اختصهم الله بذلك، ولكنها ليست مادة للتباهي أو الإعلان، فمن ادعاها علانية غالباً ما يكون مدعياً يبحث عن هالة من القداسة الزائفة. أما ما يتعلق بوجود “الأبدال” في الشام أو شخصية “الخضر” عليه السلام، فالنصوص تثبت وجود الأبدال كفئة مرعية من الصالحين، بينما يبقى أمر الخضر وحياته غيباً لا يُسأل عنه المرء ولا يترتب عليه عمل، فالانشغال بما لم يكلفنا الله به نوع من الفضول غير المحمود.
محاكمة التراث والشخصيات الجدلية
يتصدى هذا القسم بشجاعة للدفاع عن رموز الأمة وتراثها ضد حملات التبديع والتكفير. يتم التأكيد على براءة أئمة كبار كالإمام أبي زكريا الأنصاري وابن حجر الهيثمي من تهمة الاعتزال، واعتبارهم من أساطين أهل السنة. وفيما يخص الشيخ محيي الدين بن عربي، يتم اعتماد منهجية الإنصاف التي تقضي بعدم تكفيره لاحتمالية الدس في كتبه، مع التحذير الصارم من قراءة كتبه (“الفتوحات” و”فصوص الحكم”) لغير المتخصصين لما تحويه من عبارات موهمة قد تزل بها الأقدام.
كما يتم دحض الاتهامات الموجهة لقصيدة “البردة” للإمام البوصيري، مبيناً أنها خالية من الشرك وأنها نتاج محبة صادقة وتوسل مشروع، بعيداً عن فهم المتنطعين.
معارك العقيدة: الصفات، التأويل، والتفويض
تحتل مباحث الأسماء والصفات حيزاً كبيراً، حيث يتم تفكيك المصطلحات الكلامية الدقيقة:
القدرة والكسب: في شرح دقيق لمسائل “خلق الأفعال”، يميز النص بين “الخلق” الذي هو فعل الله وحده، وبين “الكسب” الذي هو مناط تكليف العبد ومحاسبته، راداً على شبهات المعتزلة والجبرية، وموضحاً أن قدرة الله “الصلوحية” قديمة، بينما تعلقها “التنجيزي” (إحداث الفعل) حادث.
منهج السلف والخلف: يتم توضيح أن منهج السلف الحقيقي هو إثبات ما أثبته الله لنفسه (كاليد والاستواء) دون تكييف (كيف؟) ولا تشبيه، مع تفويض علم “الكيفية” إلى الله، لا تفويض المعنى بمفهومه السلبي الذي يجعل القرآن طلاسم.
الرد على التجسيم: يتم رفض مصطلح “بذاته” عند الحديث عن استواء الله أو وجوده، لأنه لم يرد في النص ويوهم بالتحيز المكاني، فالله منزه عن المكان والجهة.
تصحيح المفاهيم المعاصرة والرد على الشذوذات
خلود النار: التأكيد على أن النصوص القرآنية قاطعة في خلود الكافرين في النار، وأن القول بفنائها تكذيب للقرآن.
أشراط الساعة: الرد على من ينكر خروج الدجال أو المهدي أو نزول المسيح، معتبراً ذلك ردّاً للأحاديث الصحيحة المتواترة معنوياً.
التكفير: وضع ضوابط صارمة للتكفير، فالسلف لم يكفروا الفرق الإسلامية (كالشيعة والمعتزلة) بالجملة، بل حكموا عليهم بالبدعة والضلال، ولا يُكفر إلا من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة أو أتى بناقض صريح لا تأويل فيه.
فتاوى الواقع المعاش: بين التيسير والانضباط
التعامل مع غير المسلمين: جواز تهنئة الكتابيين (المسيحيين واليهود) بأعيادهم ومناسباتهم الاجتماعية ما دامت لا تتضمن إقراراً لعقيدة باطلة، وجواز دخولهم المساجد للحاجة أو الزيارة.
المهن الحديثة: تحريم العمل في ترجمة المسلسلات أو تصميم المواقع التي تروج للمحرمات أو الأفكار الفاسدة، فالمعين على الإثم شريك فيه.
التصوير: التفريق بين التصوير الفوتوغرافي المباح (حبس الظل) وبين النحت والرسم اليدوي للكائنات الحية الذي ورد فيه النهي.
الألفاظ والمصطلحات: جواز قول “أنا مؤمن إن شاء الله” بنية التبرك لا الشك، وتصحيح عبارة “الدين لله والوطن للجميع” لتكون المفاهيم منضبطة بالشرع، فالوطن والإنسان والدين كلهم لله.
التصوف السني: طريق التزكية المنضبط
الشيخ المربي: ليس كاهناً ولا معصوماً، بل هو عالم عامل يرشد إلى الله. ويُحذر بشدة من أدعياء المشيخة الذين يستغلون المريدين أخلاقياً أو جنسياً باسم التربية.
الأوراد والذكر: الحض على التزام الأوراد النبوية (كأذكار الصباح والمساء) كأفضل طريق للتزكية، دون الحاجة لطقوس معقدة.
مجالس الذكر: إباحة الذكر الجماعي والقيام فيه ما دام منضبطاً بالوقار وخالياً من الاختلاط المحرم أو الحركات الهستيرية.
وحدة الوجود والحلول: الرفض القاطع لهذه العقائد الفلسفية الباطلة، واعتبارها كفراً صريحاً لا علاقة له بالتصوف الإسلامي النقي.
المصدر: من كتاب استفتائات الناس للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله
