رحلة السالكين بين فقه القلوب وفقه الجوارح: دليل عملي للتزكية وصحة العبادة

رحلة السالكين بين فقه القلوب وفقه الجوارح: دليل عملي للتزكية وصحة العبادة

بعد ترسيخ العقيدة الصحيحة، ينتقل المسلم إلى ميدان العمل والتطبيق، حيث يتلازم صلاح الباطن مع استقامة الظاهر. يغطي هذا الجزء مساحة واسعة ومحورية تبدأ بتهذيب النفس وسلوك طريق “التزكية” وتنتهي بضبط “فقه العبادات”، ليرسم خارطة طريق للمسلم تجمع بين الروحانية المنضبطة والالتزام الفقهي الدقيق.

منارات في طريق السلوك والتزكية

يُعد البحث عن الصفاء الروحي والارتقاء بالنفس هدفاً سامياً، ولكنه محفوف بالمخاطر إذا لم يُضبط بضوابط الشرع. في هذا السياق، تبرز قضية “الشيخ المربي” كركيزة أساسية، حيث لا يُشترط في المربي مجرد الشهرة أو المظهر، بل المعيار الحقيقي هو العلم الراسخ بأحكام الدين، والزهد الحقيقي في الدنيا، والتخلق بأخلاق النبوة. العلاقة مع الشيخ ليست صك غفران ولا هي علاقة كهنوتية، بل هي علاقة إرشاد ودلالة؛ فمن لم يجد شيخاً بهذه الصفات، يكفيه الالتزام الصادق بأوراد السنة النبوية وتلاوة القرآن ومجالسة الصالحين، فالاستقامة هي عين الكرامة.

وفي خضم السعي نحو التزكية، تكثر التساؤلات حول الممارسات الصوفية والأحوال القلبية. يتضح هنا الخط الفاصل بين التصوف السني المنضبط وبين الدجل والشعوذة. فالحضرة والذكر الجماعي ممارسات مقبولة ما دامت تلتزم بالأدب والوقار وتخلو من المخالفات الشرعية كالاختلاط المحرم أو التلفظ بكلمات غير مفهومة. أما ما يُنسب لبعض الطرق من طقوس غريبة أو ادعاءات بكشف الغيب والاطلاع على الأسرار، فهو محض افتراء يجب الحذر منه. حتى الشخصيات الجدلية في التاريخ الصوفي، كابن عربي، يتم التعامل مع تراثهم بمنهجية الإنصاف: ما وافق الشرع قُبل، وما خالفه رُدّ أو أُوّل، مع التنبيه إلى احتمالية الدس في كتبهم.

قواعد جوهرية في السلوك الروحي

الذكر والأوراد: لا يشترط إذن خاص من شيخ للبدء بالأوراد المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أوراد العلماء الراسخين كالإمام النووي. المداومة على الذكر هي المفتاح، والذكر بالاسم المفرد “الله” جائز شرعاً ومأثور عن السلف، بخلاف الذكر بالضمير “هو” الذي لا أصل له.

الواردات والأحوال: مشاعر الخشوع، القبض، والبسط هي منح إلهية لا ينبغي للمرء أن يتكلف طلبها أو ينشغل بها عن جوهر العبادة. العبرة بأداء الطاعة بصدق، سواء صاحبها دمع وخشوع أم لا، فالانشغال بمراقبة الخشوع قد يكون صارفاً عن الله.

التوسل وزيارة الصالحين: زيارة قبور الصالحين والتوسل بهم (بمعنى طلب الدعاء منهم أو التوجه إلى الله بمحبتهم وجاههم) أمور مشروعة أقرها جمهور العلماء، شريطة أن يبقى القلب معلقاً بأن الفاعل الحقيقي والمانح هو الله وحده، وأن هؤلاء الصالحين أسباب ووسائل شرعية.

التعامل مع الوساوس: الوساوس القهرية في العقيدة أو الطهارة لا تضر الإيمان ولا تقدح فيه ما دام العبد يكرهها ويدافعها. علاجها يكمن في التجاهل الكلي وكثرة الذكر، وعدم الاسترسال في مناقشتها عقلياً.

فقه العبادات.. انضباط الظاهر

مع الانتقال من أعمال القلوب إلى أعمال الجوارح، يبدأ قسم “الطهارات والعبادات” بتوضيح أحكام دقيقة تمس الحياة اليومية للمسلم، مصححاً بعض المفاهيم الشائعة ومبيناً الرخص الشرعية وضوابطها. الصلاة، عمود الدين، لها أحكام لا يجوز التهاون فيها أو القياس عليها بالهوى.

أبرز الأحكام الفقهية في الصلاة والطهارة:

الصلاة على الكرسي: هذه الرخصة مرتبطة بالعجز الحقيقي. فمن استطاع القيام وجب عليه، ومن استطاع السجود على الأرض وجب عليه، ولا يجوز الجلوس على الكرسي إلا بقدر الضرورة الطبية التي تمنع من أركان محددة (كالركوع أو السجود)، أما الجلوس الكلي للقادر على بعض الأركان فلا يصح.

صلاة الجمعة والعيد: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، فإن صلاة الجمعة لا تسقط بأداء صلاة العيد لمن كان مقيماً في البلد، فالجمعة فريضة مستقلة وشعيرة مقصودة لذاتها لا يغني عنها العيد، بخلاف من جاء من القرى والبوادي الذي رُخص له في ذلك.

الجمع والقصر: يُسمح للمسافر بجمع الصلوات وقصرها، وكذلك لمن وقع في حرج شديد في عمله يمنعه من أداء الصلاة في وقتها، ولكن لا يُتخذ ذلك عادة دائمة، فالأصل أداء الصلاة على وقتها. كما أن صلاة الظهر بعد الجمعة (المعروفة بالظهر الاحتياطي) مسألة فيها تفصيل عند الفقهاء، وتُشرع عند تعدد الجمع في البلد الواحد بلا حاجة ملحة، خروجاً من الخلاف.

أحكام لباس المصلي: الصلاة في ثياب عليها صور (كدب الباندا أو غيره) صحيحة مع الكراهة، ولا تبطل الصلاة بذلك، لكن الأدب مع الله يقتضي تجنب ما يشغل المصلي. أما المرأة فيجب عليها ستر جميع بدنها في الصلاة ما عدا الوجه والكفين، ولا يجزئ الثوب الشفاف الذي يصف لون البشرة.

ختاماً، يتكامل في حياة المسلم هذان الجناحان: قلبٌ يزكو بذكر الله والابتعاد عن الشبهات والتعلق بالأولياء الصالحين باعتدال، وجوارح تنضبط بميزان الفقه الدقيق في العبادات، فلا يطغى جانب الوجد الصوفي على انضباط الشرع، ولا يتحول الفقه إلى طقوس جافة خالية من الروح.

المصدر: من كتاب استفتائات الناس للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

WhatsApp
Copy link
URL has been copied successfully!