يغوص هذا الباب في عمق الحياة الاقتصادية للمسلم المعاصر، حيث تتشابك المعاملات المالية مع التحديات اليومية، وتكثر الأسئلة حول الحلال والحرام في البنوك، الوظائف، والتجارة. يقدم المقال رؤية فقهية واقعية توازن بين الثوابت الشرعية وضغوط الحياة، مقدماً حلولاً عملية لا تكتفي بالتحريم والتحليل المجرد، بل تنظر إلى مآلات الأمور ومقاصد الشريعة.
البنوك والربا: بين الضرورة والبديل الشرعي
تُشكل المعاملات البنكية العصب المالي للحياة اليومية، وقد فصلت الفتاوى في هذا الجانب بدقة متناهية، مفرقة بين ما تبيحه الضرورة القصوى وبين ما يبقى في دائرة التحريم القطعي:
التعامل مع البنوك: إيداع الرواتب في بنوك ربوية جائز للموظفين المضطرين لذلك، بشرط سحب المال فور استحقاقه. أما الإيداع بقصد الاستثمار وأخذ الفائدة فهو محرم. وفيما يخص الخدمات الحديثة (كميزة كاشف الرقم)، فإن دفع مبلغ مقطوع كتأمين دائم للحصول على الخدمة مجاناً يعتبر رباً (قرض جر نفعاً)، والأصح دفع اشتراك دوري مقابل الخدمة.
الاقتراض الربوي للضرورة: الأصل حرمة القرض الربوي، ولكن “الضرورات تبيح المحظورات”. فمن وقع في ضائقة سكنية شديدة ولم يجد مأوى (بملك أو إيجار) واضطر للاقتراض من بنك ربوي لشراء مسكن، فالإثم يرتفع عنه لضرورته، وكل إنسان فقيه نفسه في تقدير حجم هذه الضرورة.
الفرق بين “الفائدة” و”المرابحة”: الفرق الجوهري بين البنوك الربوية والإسلامية يكمن في آلية الربح. البنك الربوي يبيع “الزمن” مقابل المال (فائدة تتراكم)، بينما المصرف الإسلامي يمارس “التجارة” (شراء سلعة وبيعها بربح معلوم). حتى وإن كانت نسبة ربح المصرف الإسلامي مرتفعة، فهي معاملة تجارية صحيحة (حلال)، بخلاف الفائدة الربوية ولو كانت قليلة (حرام).
أخلاقيات التجارة: الربح، التسعير، والاحتياط
ينتقل الحديث إلى السوق، حيث يضع الكتاب ضوابط تحمي التاجر والمستهلك معاً، مؤكداً أن التجارة ليست مجرد أرقام، بل هي التزام قيمي:
ل جهل المشتري. فإذا اشترى التاجر بضاعة بسعر قديم وارتفع سعرها في السوق، فالأخلاق الإسلامية تقتضي أن يكون ربحه مبنياً على سعر الشراء الفعلي لا السعر الجديد، وإن كانت الدولة قد حددت سعراً فيجب الالتزام به.
البيع بالتقسيط: يجوز شرعاً زيادة سعر السلعة عند بيعها بالتقسيط مقابل الأجل (الزمن)، وهذا لا يعد رباً، لأنه بيع سلعة وليس بيع مال بمال. ويصح هذا العقد حتى لو كان المشتري يملك ثمن السلعة نقداً ولكنه فضل التقسيط لغرض ما.
سداد الديون وتغير العملة: الديون تُسدّد بنفس قيمتها الرقمية وقت العقد، لا بقيمتها الشرائية، حتى لو حصل تضخم أو تغير في سعر العملة، لأن العقد تم على “المثل” لا “القيمة”. وأي اشتراط لزيادة المبلغ بحجة التضخم يوقع في الربا، إلا أن يتسامح الطرفان أو يتصالحا.
بيع الأمانة والوساطة: التاجر مؤتمن؛ فلا يجوز لمن اؤتمن على بضاعة أو مال لتوصيله أن يتاجر به لنفسه في الطريق، والربح الناتج عن مثل هذا التصرف يعود لصاحب المال الأصلي. أما السمسار أو الوسيط، فيجوز له أن يتفق مع البائع على أخذ ما زاد عن مبلغ معين (مثلاً: بع لي السيارة بـ 100 وما زاد فهو لك).
الوظيفة والمال العام: حلال الدخل وحرمة العقوبات
يعالج هذا القسم إشكالات الموظفين في القطاعين العام والخاص، محدداً معايير “المال الحلال”:
حقوق الملكية الفكرية: تحميل الكتب والمواد من الإنترنت لغرض الاستفادة العلمية الشخصية جائز، أما استغلالها “تجارياً” (كالطباعة والبيع) دون إذن أصحابها فهو تعدٍ على الحقوق وأكل لأموال الناس بالباطل
العقوبات المالية: لا يجوز لرب العمل (في الخاص أو العام) معاقبة الموظف المقصر بخصم مالي يمتلكه لنفسه (الغرامة)، لأن العقوبات المالية التعزيرية لا تكون إلا لولي الأمر (الدولة) وفي حالات خاصة. ولكن يجوز “خصم الراتب” بقدر أيام الغياب فقط، لأن الأجر مقابل العمل، فإذا انتفى العمل انتفى الأجر.
العمل في المؤسسات المختلطة: العمل في وظائف الدولة (الخزينة العامة) جائز وإن كان فيها مال مختلط، لأن المال “المشبوه” (المختلط بين حلال وحرام) يجوز التعامل به عند الجمهور. وكذلك العمل في شركات الإنتاج الفني أو الترجمة جائز ما دامت المادة المنتجة حلالاً، ويحرم إن كانت تروج للمحرمات.
فتاوى معاصرة: تحويل الأموال والضرائب
يختتم الباب بقضايا تمس الاقتصاد الوطني العام:
تهريب الأموال: تحويل الأموال إلى عملات أجنبية وتهريبها للخارج في أوقات الأزمات الاقتصادية، بقصد المضاربة أو الخوف غير المبرر، يعتبر إضراراً باقتصاد الأمة، والقاعدة الشرعية “لا ضرر ولا ضرار” تجعل هذا التصرف محرماً.
التأمين والضمان: التأمين التجاري التقليدي بجميع أشكاله (على الحياة، السيارات، الشركات) لا يجوز لما فيه من الغرر والمقامرة، والبديل الشرعي هو “التأمين التكافلي” أو التعاوني. أما التأمينات الاجتماعية التي تفرضها الدولة فهي نظام تكافلي جائز.
يقدم هذا الجزء منهجاً متكاملاً للمسلم، يتيح له التحرك في فضاء الاقتصاد الحديث بمرونة، دون أن يتنازل عن ورعه أو يقع في المحظور، جاعلاً من المال وسيلة للقربة لا غاية تبرر الوسائل.
المصدر: من كتاب استفتائات الناس للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله
