منهجية التعامل مع القرآن والحديث

منهجية التعامل مع القرآن والحديث

يخصص المقال هذا الباب المحوري لضبط البوصلة في التعامل مع المصادر التشريعية (القرآن والسنة) وآليات استنباط الأحكام (الاجتهاد)، مصححاً المفاهيم المغلوطة التي طرأت في العصر الحديث، وواضعاً قواعد رصينة لفهم النصوص وتنزيلها على الواقع المتغير.

عالمية القرآن وحفظه

تتصدر قضايا القرآن الكريم المشهد بتأكيد عالمية النص القرآني وصلاحيته لكل زمان ومكان.

تتجلى هذه الصلاحية في القاعدة الأصولية الراسخة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”؛ فالأحكام التي نزلت لمعالجة حوادث معينة في زمن النبوة ليست حكراً على أصحابها، بل هي تشريعات عامة تسري على كل من يماثلهم في الحال والعلة إلى قيام الساعة. ويحمي هذا النص الخالد سياج منيع من الحفظ الإلهي، تمثل تاريخياً في طريقين متوازيين للنقل: التلقي الشفهي المتواتر من فم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة ومن بعدهم، والتدوين الكتابي الدقيق الذي تم تحت إشراف النبوة ثم في عهد الخلفاء الراشدين، مما يقطع الطريق على أي محاولة للتشكيك في حرف واحد منه.

وفي سياق التدبر، تبرز دقة البيان الإلهي في استخدام الألفاظ، كالتفريق بين “السنة” و”العام” لمراعاة الجرس الموسيقي والسياق البلاغي، وليس بالضرورة لفرق دلالي جامد في كل موضع. كما تتجلى التربية القرآنية في مراعاة النفس البشرية، فعدم التصريح بما أعد للنساء في الجنة من نعيم الأزواج (مقارنة بالحور العين للرجال) هو تكريم لحيائهن وصيانة لمشاعرهن عن التبذل.

أما التعامل المادي مع المصحف فيتطلب قمة الأدب، حيث يُعد وضع المصحف على الأرض مباشرة سوء أدب ينافي تعظيم شعائر الله.

الحديث الشريف

يعالج هذا القسم إشكاليات “التعارض الظاهري” بين الأحاديث، مقدماً منهج الجمع والتوفيق بدلاً من الرد والإنكار:

  • الإيمان والمعصية: حديث “لا يزني الزاني وهو مؤمن” لا يعني تكفير العاصي، بل ينفي عنه “كمال الإيمان” لحظة المعصية، بدليل أن الزاني يُغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين بإجماع الأمة.
  • أحاديث الجنة والنار: التوفيق بين أحاديث “من قال لا إله إلا الله دخل الجنة” وأحاديث الوعيد للكاسيات العاريات، يكون بأن العصاة إن ماتوا على التوحيد فمآلهم الجنة ولو عذبوا، أو أن الوعيد محمول على من استحلت المعصية فكفرت، أو ماتت قبل التوبة.
  • العمل بالحديث الضعيف: جمهور المحدثين على جواز العمل بالحديث الضعيف في “فضائل الأعمال” (كالذكر والدعاء) بشرط ألا يكون شديد الضعف، وألا يعتقد العامل به ثبوته القطعي كالصحيح، خلافاً لمن يزعم بطلان العمل به مطلقاً

الجهاد والفتن

العلة في قتال الكافرين ليست كفرهم المجرد، بل “العدوان” و”الحرابة”. فقوله تعالى “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا” يضع شرطاً جوهرياً للقتال وهو رد العدوان، ولذلك لم يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم قبيلة خزاعة المشركة لأنها كانت مسالمة. كما يتم توضيح أن انتشار الإسلام في مناطق كالأندلس لم يكن بحد السيف، بل بأخلاق الفاتحين التي جذبت السكان الأصليين للدين، لدرجة أن الدولة الإسلامية هناك قامت على أكتاف أهل البلاد الذين أسلموا.

وفي قضايا الفتن وأشراط الساعة، يتم توجيه المسلم للانشغال بالعمل بدلاً من الغرق في التوقعات الغيبية، مع بيان معاني بعض الأشراط كحديث “أن تلد الأمة ربتها” الذي يشير إلى استقلال الأبناء (وخاصة البنات) عن سلطة الآباء وتمردهم عليهم في آخر الزمان.

الاجتهاد والتقليد ومقاصد الشريعة

يضع هذا الجزء النقاط على الحروف في منهجية الفتوي والتعامل مع التراث الفقهي:

  • المذاهب والتقليد: ليس “ابن تيمية” هو المرجع الوحيد، بل هو مجتهد يُؤخذ من قوله ويُرد كغيره، ويجوز تقليده ما لم يخالف إجماعاً أو نصاً صريحاً . وكذلك الإمام الغزالي الذي يتبع الشافعي في الأصول لكنه قد يرجح غيره في الفروع.
  • لعبة “المقاصد”: لايجب اتخاذ “مقاصد الشريعة” ذريعة لتعطيل النصوص الشرعية الصريحة بحجة تغير الزمان. فالمقاصد هي ثمرة النصوص، ولا يجوز أن تنقلب عليها بالإلغاء، ومن يجرؤ على إلغاء الأحكام بدعوى المصلحة فهو يتلاعب بالدين.
  • ولي الأمر والتشريع: للحاكم المسلم (ولي الأمر) حق تقييد المباح واختيار قول فقهي من المذاهب المعتبرة وإلزام الناس به (كالطلاق أو المعاملات) رعاية للمصلحة العامة وضبطاً للقضاء، وتصبح طاعته في ذلك واجبة

راقضايا فقهية وفكرية متنوعة

  • الجزية والمواطنة: الجزية ليست عقوبة، بل هي ضريبة معادلة للزكاة تُؤخذ من غير المسلمين مقابل حمايتهم ورعايتهم، لأن الزكاة عبادة لا تجب عليهم، ويمكن تغيير اسمها إلى “ضريبة” أو غير ذلك كما فعل سيدنا عمر.
  • تطبيق الحدود: أحكام الحدود لا تطبق على السياح الأجانب في البلاد الإسلامية، كما أن غير المسلمين (أهل الذمة) لا يطبق عليهم من الحدود إلا ما يتوافق مع شرائعهم أو ما يتعلق بالنظام العام.
  • الأمانة الكبرى: حمل الإنسان للأمانة (التكليف والخلافة) كان “إجباراً” ومشيئة إلهية لتمييزه بالعلم والإرادة، ووصفه بالجهل والظلم هو وصف لطبيعته التي تحتاج للتهذيب بهذه الأمانة.
  • القرآن والعلوم: الآيات التي تحث على “العلم” تشمل العلم الشرعي والعلوم الكونية التجريبية على حد سواء، فالكل يصب في معرفة الله وعمارة الأرض

المصدر: من كتاب استفتائات الناس للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

WhatsApp
Copy link
URL has been copied successfully!