تُشكل الأسئلة الوجودية والعقائدية الهاجس الأكبر الذي يؤرق العقل البشري، خاصة في أزمنة الفتن واختلاط المفاهيم. في هذا السياق، تبرز الرؤية الشرعية المنضبطة لتقديم إجابات شافية تمزج بين العقل والنقل، لترسخ مفاهيم التوحيد الصافي وتزكية النفس بعيداً عن الغلو أو التفريط. نستعرض هنا خلاصة مركزة لأهم القضايا العقدية والسلوكية التي تشغل بال المسلم المعاصر.
تنزيه الخالق عن المكان والزمان: حقيقة “أين الله؟”
تتصدر قضية التنزيه قائمة المباحث العقدية، حيث يقع الكثيرون في حيرة أمام سؤال “أين الله؟” وتأويل نصوص العلو والفوقية. تتجلى العقيدة الصافية في الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى منزه عن المكان والزمان، فهو خالقهما ولا يحيط به شيء من مخلوقاته. الإجابة الدقيقة لا تكون بحصر الذات الإلهية في السماء بمفهوم الظرفية المكانية، بل بالإيمان بالنصوص القرآنية بمجموعها التي تثبت أنه “في السماء إله وفي الأرض إله”، وأنه “معكم أينما كنتم”، وأنه “أقرب إليه من حبل الوريد”. هذا الجمع بين النصوص ينفي التحيز الجسماني ويثبت صفات العلو والهيمنة والقيومية التي تليق بجلاله، فالسؤال عن “أين” لا ينطبق على من أوجد “الأين”.
وفي سياق الأسماء والصفات، يترسخ المفهوم بأن أسماء الله توقيفية لا يجوز اختراعها، وهي قديمة بقدم الذات، أما الحروف والأصوات التي ينطق بها البشر فهي مخلوقة، بينما المعاني القائمة بذات الله أزلية. صفات الله كالعلم والقدرة والإرادة هي صفات كمال مطلق؛ فالعلم صفة كاشفة، والقدرة صفة مؤثرة، ولا يجوز قياس صفات الخالق على المخلوق. حتى الصفات الخبرية كـ “اليد” و”الوجه” أو “الاستواء” تُثبت كما وردت في النص القرآني دون تكييف (كيف هي؟) ولا تمثيل (تشبيهها بخلقه) ولا تعطيل (نفيها)، مع اليقين الجازم بأن “ليس كمثله شيء”.
القضاء والقدر: جدلية التسيير والتخيير
تُعتبر مسألة حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله من أعقد المسائل التي يكثر حولها الجدل. يتضح الحق في هذا المضمار بأن أفعال الله لا تُعلل بالأغراض والغايات بمفهوم الحاجة، فهو الغني المطلق، وخلقُ الخلق للعبادة ليس لحاجة منه سبحانه، بل هو مقتضى ألوهيته ورحمته. وفيما يخص أفعال العباد، فإن الإنسان يملك “الكسب” والاختيار، وهو مناط التكليف والحساب، بينما “الخلق” والإيجاد هما لله وحده. فالإنسان مُيسر لما خُلق له، ومخير في نواياه وتوجهاته السلوكية، وعلمه السابق سبحانه بأفعال العباد هو علم كشف وإحاطة لا علم إجبار وإكراه.
- الفرق بين الخلق والفعل: الخلق هو فعل وزيادة (إيجاد من عدم)، بينما الفعل أعم قد لا يتضمن خلقاً جديداً.
- العدل الإلهي: المصائب والابتلاءات تجري وفق حكمة إلهية بالغة، وقد تكون تكفيراً لذنوب أو رفعاً لدرجات، ولا يصح الاعتراض على قضاء الله، فالتسليم هو جوهر العبودية.
- خلود أهل النار: وعيد الله للكافرين بالخلود في النار حق، وإخبار الله واقع لا يلحقه خلف، والخلود في العذاب يكون نتيجة للإصرار على الكفر والعناد الذي لو امتد عمر صاحبه لأبد الآبدين لاستمر في كفره.
حقيقة الروح والغيبيات والتعامل مع الشبهات
عالم الغيب، من أرواح وجن وسحر، هو ميدان للاختبار الإيماني. الروح من أمر الله، وما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه حقائق نؤمن بها تسليماً للنص الصادق. الوساوس التي تطرأ على ذهن المسلم في العقيدة لا تضره ما دام يكرهها ويدافعها، بل إن كراهيتها دليل على صريح الإيمان، بعكس الشك الذي يسترسل معه صاحبه طواعية. أما السحر والحسد، فهما ابتلاءات تُدفع بالتحصين والذكر واللجوء إلى الله، ولا يملك أحد ضراً ولا نفعاً إلا بإذنه سبحانه.
فيما يتعلق بمصير الناس، الأصل هو التوقف عن الحكم على المعينين (أشخاص محددين) بالنار أو الجنة إلا بنص، والتركيز على النجاة الشخصية. وحديث “من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة” يشمل كل من نطق بها مخلصاً عند الموت، وهو ما يتعذر على الكافر والمنافق لحظة الاحتضار.
منهج أهل السنة والجماعة في مواجهة الغلو
يتميز المنهج الأشعري والماتريدي -وهما سواد أهل السنة والجماعة- بالوسطية والتنزيه، فهما يثبتان لله ما أثبته لنفسه دون تجسيم، وينزهانه عن صفات النقص والحدوث. الخلاف مع بعض التيارات الأخرى (كالمعتزلة قديماً أو بعض التيارات المعاصرة) يكمن في منهجية التعامل مع النصوص وتغليب العقل أو النقل، حيث يرى أهل السنة أن العقل شاهد للشرع وليس حاكماً عليه بما يبطله. كما أن السلف الصالح لم يكفروا الفرق الإسلامية المختلفة (كالخوارج والشيعة) بالجملة، بل حكموا بالإسلام لكل من نطق الشهادتين ولم يأتِ بناقض صريح معلوم من الدين بالضرورة، مع تخطئة البدع والضلالات.
نقاط فاصلة في المنهج العقدي:
- أحاديث الآحاد: يُحتج بها في العقيدة وتوجب العمل، وإنكارها فسق لا كفر ما لم تخالف قطعياً، والاحتياط يقتضي قبولها وتصديقها.
- عصمة الأنبياء: الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر الخسيسة، وما قد يبدو ظاهره خطأ هو من باب “خلاف الأولى” أو الاجتهاد في المواقف الدنيوية التي لا علاقة لها بالبلاغ.
- التكفير: لا يجوز تكفير المسلم بذنب ارتكبه ما لم يستحله، ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.
طريق السلوك والتزكية: البحث عن المربي الصادق
الانتقال من صحة المعتقد إلى سلامة القلب وسلوك طريق الإحسان يتطلب “التزكية”. وهنا يبرز دور “الشيخ المربي” الذي لا بد أن يكون عالماً بالشريعة، بصيراً بأحوال النفس، زاهداً في الدنيا، وعفيفاً عن أموال الناس. العلاقة مع الشيخ ليست علاقة تقديس أعمى، بل علاقة إرشاد ودلالة على الله.
- الأولياء والكرامات: كرامات الأولياء حق، وهي خوارق للعادات يجريها الله على أيديهم إكراماً لهم، لكنها لا تدل بالضرورة على الأفضلية المطلقة، ولا يُغتر بمن يظهر خوارق وهو غير مستقيم على الشرع (استدراج).
- التصوف المنضبط: هو مقام الإحسان، وتزكية النفس، والتحلي بمكارم الأخلاق، بعيداً عن الشطحات والحلول والاتحاد.
- ابن عربي وغيره: التعامل مع تراث الشخصيات الجدلية كابن عربي يقتضي الحذر؛ فما وافق الشرع قُبل، وما خالفه رُد أو أُوّل، مع الإقرار باحتمالية الدس في كتبهم، والتوقف عن تكفير المعينين من أهل القبلة.
ختاماً، إن سلامة العقيدة هي الأساس الذي يُبنى عليه العمل، وتزكية النفس هي الثمرة المرجوة من هذا الإيمان، وبينهما يسير المسلم متوازناً بين الخوف والرجاء، متمسكاً بالكتاب والسنة، مبتعداً عن الغلو والتطرف.
المصدر: من كتاب استفتائات الناس للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله
